البغدادي
236
خزانة الأدب
أو طابخ قدير أو لا تقدير لكنه معطوف على صفيف وخفض على الجوار أو على توهم أن الصفيف مجرور بالإضافة وعند البغداديين هو معطوف على صفيف من قبيل العطف على المحلّ ولا يشترطون أن يكون المحلّ وقوله : ورحنا يكاد الطرف الخ يقول : إذا نظرت العين إلى هذا الفرس أطالت النظر إلى ما ينظر منه لحسنه فلا تكاد العين تستوفي النظر إلى جميعه . ويحتمل أن يكون معناه : أنه إذا نظرت إلى هذا الفرس لم تدم النظر إليه لئلا يصاب بالعين لحسنه . وقوله : متى ما ترقّ الخ أي : متى نظرت إلى أعلاه نظرت إلى أسفله لكماله ليستتم النظر إلى جميع جسده . أصلهما تترقّ وتتسهّل بتاءين وجزما على أنّ الأوّل فعل الشرط والثاني جوابه . وما زائدة وروي : ورحنا وراح الطرف ينفض رأسه والطرف بالكسر : الكريم الطرفين . وينفض رأسه من المرح والنشاط . وقوله : فبات عليه سرجه في بات ضمير الكميت وجملة عليه سرجه خبر بات وبات الثاني معطوف على الأول وبعيني خبره أي : بحيث أراه وقائماً حال وغير مرسل أي : غير مهمل . ومعناه : أنه لما جيء به من الصيد لم يرفع عنه سرجه وهو عرق ولم يقلع لجامه فيعتلف على التعب فيؤذيه ذلك . ويجوز أن يكون معنى فبات عليه سرجه الخ أنهم مسافرون كأنه أراد الغدوّ فكان معدّاً لذلك . والله أعلم . وأنشد بعده وهو الشاهد الرابع بعد المائتين * وغنّ امرأً أسرى إليك ودونه * من الأرض موماة وبيداء سملق * لما تقدّم قبله : فإن جملة قوله : ودونه من الأرض موماة من المبتدأ والخبر حال لا الظرف وحده كما بيناه . وصاحب الحال الفاعل المستتر في قوله أسرى العائد إلى امرئ . وأسرى : بمعنى سرى قال في الصحاح : وسريت سرىً ومسرىً وأسريت بمعنى : إذا سرت ليلاً . وبالألف لغة أهل الحجاز وجاء القرآن بهما جميعاً . والكاف من إليك مكسورة لأنه خطاب مع ناقته . ودون هنا بمعنى أمام وقدّام . والموماة بالفتح : الأرض التي لا ماء فيها وفي القاموس : الموماء والموماة : الفلاة والجمع الموامي . وأشار إلى أنها فوعلة : لأنه ذكرها في المعتلّ الآخر بالواو . والبيداء : القفر فعلاء من باد يبيد : إذا هلك . والسملق : الأرض المستوية . وبيداء معطوف على موماة وسملق صفته . وجملة أسرى إليك صفة امرئ . وخبر إن المحقوقة في بيت بعده وهو : * لمحقوقة أن تستجيبي لصوته * وأن تعلمي أن المعان موفّق * وقد أنشد المحقق الشارح هذين البيتين في باب الضمير على أن الكوفيين استدلوا بهذا على أنه يجوز ترك التأكيد بالمنفصل في الصفة الجارية على غير من هي له عند امن اللبس والأصل لمحقوقة أنت . وهذه مسألة خلافية بين البصريين والكوفيين يأتي الكلام فيها إن شاء الله تعالى في باب الضمير . ومطلع هذه القصيدة : * أرقت وما هذا السهاد المؤرّق * وما بي من سقم وما بي معشق * قال ابن قتيبة في كتاب الشعراء : سمع كسرى أنوشروان يوماً الأعشى يتغنى بهذا البيت فقال : ما يقول هذا العربيّ قالوا : يتغنى بالعربية . قال : فسّروا قوله . قالوا : زعم أنه سهر من غيرمرض ولا عشق . قال : فهذا إذاً لصّ . وبعد هذا المطلع بأبيات في وصف الخمرة وهو من أبيات الكشّاف والقاضي : * تريك القذى من دونها وهي دونه * إذا ذاقها من ذاقها يتمطّق * وهذا وصف بديع في صفاء الخمرة . والتمطّق : التذوّق . قال ابن قتيبة في كتاب الشعراء : أراد أنها من صفائها تريك القذاة عالية عليها والقذى في أسفلها فأخذه الأخطل فقال : * ولقد تباكرني على لذّاتها * صهباء عالية القذى خرطوم * ) اه وسيأتي إن شاء الله عز وجل بعض هذه القصيدة في باب الضمير وبعضها في عوض من باب الظروف . وأنشد بعده وهو الشاهد الخامس بعد المائتين كما انتفض العصفور بلّله القطر هذا عجز وصدره : وإني لتعروني لذكراك هزّة على أن الأخفش والكوفيين استدلوا بهذا على أنه لم تجب قد مع الماضي المثبت الواقع حالاً فإن جملة بلّله القطر من الفعل والفاعل حال من العصفور وليس معها قد لا ظاهرة ولا مقدرة . وهذه المسألة أيضاً خلافية : ذهب الكوفيين إلى أن الماضي المثبت بدون قد يقع حالاً بدليل قوله تعالى : أو جاؤكم حصرت صدورهم فحصرت حال بدليل قراءة الحسن البصري ويعقوب والمفضل عن عاصم : أو جاؤكم حصرةً صدورهم وقول أبي صخر الهذلي : كما انتفض العصفور بلّله القطر وقال البصريون : لا يجوز وقوعه حالاً بدون قد لوجهين : أحدهما : انه لا يجوز يدلّ على الحال والثاني : أنه إنما يصلح أن يوضع موضع الحال ما يصلح أن يقال فيه الآن نحو : مررت بزيد يضرب وهذا لا يصلح في الماضي ولهذا لم يجز ما زال زيد قام لأن ما زال وليس يطلبان الحال وقام ماض ولا يلزم على كلامنا إذا كان مع الماضي قد لن قد تقرّب الماضي من الحال . وأما الآية والبيت فقد فيهما مقدرة وقال بعضهم : حصرت صفة لقوم المجرور في أول الآية وهو : إلا الذين يصلون إلى قوم وما بينهما اعتراض ويؤيده أنه قرئ بإسقاط أو . وعلى ذلك يكون جاؤكم صفة لقوم ويكون حصرت صفة ثانية . وقيل : صفة لموصوف لمحذوف أي : قوماً حصرت صدورهم . قال صاحب اللباب : وهذا مذهب سيبويه وهو ضعيف لأنه إذا قدّر الموصوف يكون حالاً موطّئة وصفة الموطئة في حكم الحال في إيجاب تصدّرها بقد وهو يمنع حذف قد لا سيّما والموصوف محذوف فّن الصفة تكون في صورة الحال فالإتيان بقد يكون أولى . ) وقال المبرّد : جملة حصرت إنشائية معناها الدعاء عليهم فهي مستأنفة . وردّ بأن الدعاء عليهم بضيق قلوبهم عن قتال قومهم لا يتجّه . وقيل : حصرت بدل اشتمال من جاؤكم لأن المجيء مشتمل على الحصر . وفيه بعد لأن الحصر من صفة الجائين لا من صفة المجيء . وقد بسط ابن الأنباري الكلام على هذه المسألة في كتاب الإنصاف في مسائل الخلاف . واستشهد ابن هشام بهذا البيت في شرح الألفيّة على أن المفعول له يجرّ باللام إذا فقد بعذ شروطه فإن قوله هنا لذكراك مفعول له جرّ باللام لأن فاعله غير فاعل الفعل المعلّل . وهو قوله لتعروني فإن فاعله هزة وفاعل ذكراك المتكلم فإنه مصدر مضاف لمفعوله وفاعله محذوف أي : لذكري إياك . والهزة بفتح الهاء : الحركة يقال : هززت الشيء : إذا حركته وأراد بها الرعدة . وروي بدلها رعدة . وروى القاليّ في أماليه فترة . وسئل ابن الحاجب : هل تصح رواية القاليّ فأجاب : يستقيم ذلك على معنيين : أحدهما أن يكون معنى لتعروني لترعدني أي : تجعل عندي العرواء وهي الرعدة كقولهم : عري فلان : إذا أصابه ذلك لأن الفتور الذي هو السكون عن الإجلال والهيبة يحصل عنه الرعدة غالباً عادة فيصح نسبة الإرعاد إليه فيكون كما انتفض منصوباً انتصاب قولك : أخرجته كخروج زيد إما على معنى كإخراج زيد وإما لتضمنه معنى خرج غالباً فكأنه قيل خرج فصحّ لذلك مثل خروج زيد وحسن ذلك تنبيهاً على حصول المطاوع الذي هو المقصود في مثل ذلك فيكون أبلغ في الاقتصار على المطاوع إذ قد يحصل المطاوع دونه مثل أخرجته فلا يخرج . والثاني : أن يكون معنى لتعروني لتأتيني وتأخذني فترة أي : سكون للسرور الحاصل من الذكرى وعبّر بها عن النشاط لأنها تستلزمه غالباً تسمية للمسبّب باسم السبب كأنه قال : ليأخذني نشاط كنشاط العصفور . فيكون كما انتفض إما منصوباً نصب له صوت صوت حمار وله وجهان : أحدهما : أن يكون التقدير يصوّت صوت حمار وإن لم يجز إظهاره استغناء عنه بما تقدم . والثاني : أن يكون منصوباً بما تضمنته الجملة من معنى يصوّت وإما مرفوعاً صفة لفترة أي : نشاط مثل نشاط العصفور . . وهذه الأوجه الثلاثة المذكورة في الوجه الثاني في إعراب كما ) انتفض تجري على تقدير رواية رعدة وهزّة . وروى الرمّاني عن السكري عن الأصمعي : * إذا ذكرت يرتاح قلبي لذكرها * كما انتفض العصفور بلّله القطر * وهذا ظاهر . اه . وانتفض بمعنى تحرك يقال : نفضت الثوب والشجر : إذا حركته ليسقط ما فيه . وبلّه يبلّه بلاًّ : إذا ندّاه بالماء ونحوه . والقطر : المطر . وفي شرح بديعيّة العميان لابن جابر : أن هذا البيت فيه من البديع صنعة الاحتباك وهو أن يحذف من الأول ما أثبت نظيره في الثاني ويحذف من الثاني ما أثبت نظيره في الأول فإن التقدير فيه . وإني لتعروني لذكراك هزة وانتفاضة كهزة العصفور وانتفاضته . فحذف من الأول وهذا البيت من قصيدة لأبي صخر الهذلي . أورد بعضها أبو تمام في باب النسيب من الحماسة وكذلك الأصبهاني بعضها في الأغاني ورواها تماماً أبو عليّ القالي في أماليه عن ابن الأنباريّ وابن دريد . وهي هذه : * لليلى بذات الجيش دار عرفتها * وأخرى بذات البين آياتها سطر * * كأنهما ملآن لم يتغيرا * وقد مرّ للدارين من عهدنا عصر * * وقفت بربعيها فعيّ جوابهافقلتوعيني دمعها سرب همر * ألا أيها الركب المخبّون هل لكم * * فقالوا : طوينا ذاك ليلاً وإن يكن * به بعض من تهوى فما شعر السّفر * * أما والذي أبكى وأضحك والذي * أمات وأحيا والذي أمره الأمر * * لقد كنت آتيها وفي النفس هجرها * بتاتاً لأخرى الدهر ما طلع الفجر * * فما هو إلا أن أراها فجاءة * فأبهت لا عرف لديّ ولا نكر * * وأنسى الذي قد كنت فيه هجرتها * كما قد تنسّي لبّ شاربها الخمر * * وما تركت لي من شذىً أهتدي به * ولا ضلع إلا وفي عظمها كسر * * وقد تركتني أغبط الوحش أن أرى * قرينين منها لم يفزّعهما نفر * * مخافة أني قد علمت لئن بدا * لي الهجر منها ما على هجرها صبر * * وأني لا أدري إذا النفس أشرفت * على هجرها ما يبلغن بي الهجر * * أبى القلب إلا حبها عامريةً * لها كنيةً عمر وليس لها عمرو ) * ( تكاد يدي تندى إذا ما لمستها * وينبت في أطرافها الورق الخضر * * وإني لتعروني لذكراك فترة * كما انتفض العصفور بلله القطر * * تمنيت من حبي علية أننا * على رمث في البحر ليس لنا وفر * * على دائم لا يعبر الفلك موجه * ومن دوننا الأعداء واللجج الخضر * * فنقضي هموم النفس في غير رقبة * ويغرق من نخشى نميمته البحر * * عجبت لسعي الدهر بيني وبينها * فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر * * فيا حب ليلى قد بلغت بي المدى * وزدت على ما ليس يبلغه الهجر * * ويا حبها زدني جوىً كل ليلة * ويا سلوة الأيام موعدك النضر * * هجرتك حتى قيل : ما يعرف الهوى * وزرتك حتى قيل : ليس له صبر * * صدقت أنا الصب المصاب الذي به * تباريح حب خامر القلب أو سحر * * فيا حبذا الأحياء ما دمت حيةً * ويا حبذا الأموات ما ضمك القبر * فقوله : ملآن أصله من الآن . وقوله : أما والذي أبكى وأضحك الخ هو من أبيات الكشاف ومغني اللبيب أنشده في أما . وقوله : فما هو إلا أن أراها فجاءة الخ هو من أبيات سيبويه ويأتي شرحه إن شاء الله عز وجل في نواصب الفعل . وقوله : وما تركت لي من شذى هو بفتح الشين والذال المعجمتين بمعنى الشدة وبقية القوة . والضلع بكسر الضاد وفتح اللام . وقوله : تمنيت من حبي علية أناا على رمث هو بفتح الراء والميم وبالثاء المثلثة قال القالي : أعود يضم بعضها إلى بعض كالطوف يركب عليها في البحر . وقوله : ما أبرم السلم النضر يقال : أبرم السلم : إذا خرجت برمته وهي ثمرته . قال في الصحاح : البرم محركة : ثمر العضاه الواحدة برمة وبرمة كل العضاه صفراء إلا العرفط فإن برمته بيضاء وبرمة السلم أطيب البرم ريحاً . حكى الأصبهاني في الأغاني عن أبي إسحاق إبراهيم الموصلي قال : دخلت على الهادي فقال : غنني صوتاً ولك حكمك فغنيته : * وإني لتعزوني لذكراك هزة * كما انتفض العصفور بلله القطر * فقال : أحسنت والله وضرب بيده إلى حبيب دراعته فشق منها ذراعاً ثم قال : زدني فغنيته : * هجرتك حتى قيل : لا يعرف الهوى * وزرتك حتى قيل : ليس له صبر ) * ( فيا حبها زدني جوىً كل ليلة * ويا سلوة الأحباب موعدك الحشر * فقال : أحسنت وشقّ باقي درّاعته من شدة الطرب ثم رفع رأسه إليّ وقال : تمن واحتكم فقلت : أتمنى عين مروان بالمدينة . قال : فرأيته قد دارت عيناه في رأسه فخلتهما جمرتين ثم قال : يا ابن اللخناء أتريد أن تشهرني بهذا المجلس وتجعلني سمراً وحديثاً يقول الناس أطربه فوهبه عين مروان . أما والله لولا بادرة جهلك التي غلبت على صحة عقلك لألحقتك بمن غبر من أهلك . وأطرق إطراق الأفعوان فخلت ملك الموت بيني وبينه ينتظر أمره . ثم رفع رأسه وطلب إبراهيم بن ذكوان وقال : يا إبراهيم خذ بيد هذا الجاهل وأدخله بيت المال فإن أخذ جميع ما فيه فدعه وإياه قال : فدخلت وأخذت من بيت المال خمسين ألف دينار . وأبو صخر الهذلي هو عبد الله بن سالم السهمي الهذلي شاعر إسلامي من شعراء الدولة الأموية . كان متعصباً لبني مروان موالياً لهم وله في عبد الملك بن مروان وأخيه عبد العزيز مدائح كثيرة . ولمّا ظهر عبد الله بن الزبير في الحجاز وغلب عليها بعد موت يزيد بن معاوية وتشاغل بنو أمية في الحرب بينهم في مرج راهط وغيره دخل عليه أبو صخر الهذلي في هذيل ليقبضوا عطاءهم وكان عارفاً بهواه في بني أمية فمنعه عطاءه فقال : تمنعني حقاً لي وأنا امرؤ مسلم ما أحدثت في الإسلام حدثاً ولا أخرجت من طاعة يدا قال : عليك ببني أمية اطلب منهم عطاءك قال : إذاً أجدهم سبطة أكفهم سمحة أنفسهم بذلاً لأموالهم وهّابين لمجتديهم كريمة أعراقهم شريفة أصولهم زاكية فروعهم قريباً من رسول الله صلى الله عليه وسلم نسبهم وسببهم ليسوا إذا نسبوا بأذناب ولا وشائظ ولا أتباع ولا هم في قريش كفقعة القاع لهم السودد في الجاهلية والملك في الإسلام لا كمن لا يعدّ في عيرها ولا نفيرها ولا حكم آباؤه في نقيرها وقطميرها ليس من أحلافها المطيّبين ولا من ساداتها المطعمين ولا من هاشمها المنتخبين ولا عبد شمسها المسوّدين وكيف تقاس الأرؤس بالأذناب وأين النصل من الجفن وأين السنان من الزجّ والذنابى من القدامى وكيف يفضل الشحيح على الجواد والسوقة على الملوك والجائع بخلاً على المطعم فضلاً فغضب بن الزبير حتى ارتعدت فرائصه وعرق جبينه واهتز من قرنه إلى قدمه وامتقع لونه ثم قال له : يا ابن البوّالة على عقبيها يا جلف يا جاهل أما والله لولا الحرمات الثلاث : حرمة الإسلام وحرمة الشهر الحرام وحرمة الحرم لأخذت الذي فيه عيناك ثم أمر به إلى سجن عارم فحبس فيه مدّة ثم استوهبته هذيل ومن ) له في قريش خؤولة فأطلقه بعد سنة وأقسم أن لا يعطيه عطاءً مع المسلمين أبداً . فلما كان عام الجماعة وولي عبد الملك بن مروان وحجّ لقيه أبو صخر فقرّبه وأدناه وقال له : إنه لم يخف عليّ خبرك مع الملحد ولا ضاع لديّ هواك ولا موالاتك . فقال : إذا شفى الله منه نفسي ورأيته قتيل سيفك وصريع أوليائك مصلوباً مهتوك الستر مفرّق الجمع فما أبالي ما فاتني من الدنيا ثم استأذنه في مديح فأنشده قصيدة وأمر له عبد الملك بما فاته من العطاء ومثله من ماله وحمله وكساه . كذا في الأغاني . وأنشد بعده : * يقول وقد ترّ الوظيف وساقها * ألست ترى أن قد أتيت بمؤيد * تقدم شرحه في الشاهد الرابع والثمانين بعد المائة . وأنشد بعده وهو الشاهد السادس بعد المائنين وهو من شواهد سيبويه : * أفي السلم أعياراً جفاءً وغلظة * وفي الحرب أشباه النساء العوارك * على أن أعياراً وأشباه النساء منصوبان على الحال عند السيرافي ومن تبعه وعلى المصدر عند سيبويه . قال السهيلي في الروض الأنف : هذا البيت لهند بنت عتبة قالته لفلّ قريش حين رجعوا من بدر . يقال : عركت المرأة : إذا حاضت . ونصب أعياراً على الحال والعامل فيه مختزل لأنه أقام الأعيار مقام اسم مشتق فكأنه قال : في السلم بلداء جفاة مثل الأعيار . ونصب جفاء وغلظة نصب المصدر الموضوع موضع الحال كما تقول : زيد الأسد شدّة أي : يماثله مماثلة شديدة فالشدة صفة للمماثلة كما أن المشافهة صفة للمكالمة إذا قلت : كلّمته مشافهة فهذه حال من المصدر في الحقيقة . وتعلّق حرف الجرّ من قولها أفي السلم بما أدّته الأعيار من معنى الفعل فكأنها قالت : أفي السلم تتبلدون . وهذا الفعل المختزل الناصب للأعيار ولا يجوز إظهاره اه . وزعم العيني أن قوله : جفاء منصوب على التعليل أي : لأجل الجفاء والغلظة . ولا يخفى سقوطه . والهمزة لللاستفهام التوبيخي . والسلم بكسر السين وفتحها : الصلح يذكّر ويؤنث . والأعيار : جمع عير بالفتح : الحمار أهلياً كان أم وحشياً وهو مثل في البلادة والجهل . والجفار ) قال في المصباح : وجفا الثوب يجفو : إذا غلظ فهو جاف ومنه جفاء البدو وهو غلظتهم وفظاظتهم . والغلظة بالكسر : الشدذة وضد اللين والسلاسة . وروي أمثال بدل قوله أشباه . والعوارك : جمع عارك وهي الحائض من عركت المرأة تعرك كنصر ينصر عروكاً أي : حاضت . وبّختهم وقالت لهم : أتجفون الناس وتغلظون عليهم في السلم فإذا أقبلت الحرب لنتم وضعفتم كالنساء الحيض حرّضت المشركين بهذا البيت على المسلمين . والفلّ بفتح الفاء : القوم المنهزمون . وهند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف القرشية العبشمية والدة معاوية بن أبي سفيان اخبارها قبل الإسلام مشهورة . وشهدت أحداً وفعلت ما فعلت بحمزة ثم كانت تؤلّب وتحرض على المسلمين إلى أن جاء الله بالفتح فأسلم زوجها ثم أسلمت هي يوم الفتح . كذا في الإصابة لابن حجر . وأنشد بعده وهو الشاهد السابع بعد المائتين وهو من شواهد س : * أنا ابن دارة مشهوراً بها نسبي * وهل بدارة يا للناس من عار * على أن قوله مشهوراً حال مؤكدة لمضمون الخبر . ومضمونه هنا الفخر وروي : أنا ابن دارة معروفاً بها نسبي . وقوله : نسبي نائب الفاعل لقوله مشهوراً . والباء من بها متعلقة به للا نائب الفاعل كما وهم العيني . وهذه الحال سببية . وهل للاستفهام الانكاري . ومن زائدة وعار مبتدأ من رفعه حركة حرف الجر الزائد . وبدارة خبره . ويا للناس اعتراض بين المبتدأ والخبر . ويا للنداء لا للتنبيه ولناس منادى لا ان المنادى محذوف تقديره : قومي . واللام للاستغاثة وهي تدخل ودارة اسم أمّ الشاعر وهو سالم بن دارة قال ابن قتيبة : وهي من بني أسد وسميت بذلك لأنها شبهت بدارة القمر من جمالها . وقال الحلواني في كتاب أسماء الشعراء المنسوبين إلى أمهاتهم : دارة لقب بأمه واسمها سيفاء كانت أخيذة أصابها زيد الخيل من بعض غطفان منبني أسد وهي حبلى فوهبها زيد الخيل لزهير بن أبي سلمى . فربما نسب سالم بن دارة إلى زيد الخيل اه . ) وقال أبو رياش في شرح الحماسة والأصبهاني في الأغاني : دارة لقب جدّه واسمه يربع . وعلى هذا قد روي : أنا ابن دارة معروفاً به نسبي وروي أيضاً : معروفاً له نسبي . وهذا البيت من قصيدة طويلة لسالم بن دارة هجا بها زميل بن أبير أحد بني عبد الله بن مناف الفزاري منه : * بلغ فزارة إني لن أسالمها * حتى ينيك زميل أم دينار * * لاتأمنن فزارياً خلوت به * بعد الذي امتلّ أيّر العير في النار * * وغن خلوت به في الأرض وحدكما * فاحفظ قلوصك واكتبها بأسيار * * أنا ابن دارة معروفاً له نسبي * وهل بدارة يا للناس من عار * * جرثومة نبتت في العز واعتزلت * تبتغي الجراثيم من عرف وإنكار * * من جذم قيس وأخوالي بنو أسد * من أكرم الناس زندي فيهم واري * وأمّ دينار هي أمّ زميل . وقوله : بعد الذي امتلّ أيّر العيل الخ العير بالفتح : الحمار . وامتلّ أير العير أي : شوى أير الحمار في الملة وهي الرماد الحار . وبنو فزارو يرمون بأكل أير الحمار مشوياً . وسيأتي إن شاء الله تعالى شرح هذا مستوفى في باب المثنى . والقلوص : الناقة الشابة . واكتبها : من كتب الناقة يكتبها بضم التاء وكسرها : ختم حياءها أو خزمها بسير أو حلقة حديد لئلا ينزى عليها . والأسيار : جمع سير من الجلد . وعار الجواعر أي : بارز الأست والفقحة . والقسبار بضم القاف : الذكر الطويل العظم . وجرثومة الشيء بالضم : أصله . وتبغي : من البغي يقال : بغى عليه بغياً : إذا علا عليه واستطال فأصله تبغي على الجراثيم . والعرف بالضم : المعروف . والجذم بالكسر والفتح : الأصل . وورى الزند : كرمى : خرج ناره ويقال : ورت بك زنادي يقال : هذا في التمدح والافتخار . وتقدم سبب هجوه لبني فزارة وسبب هذه القصيدة مع ترجمته في الشاهد الخامس بعد المائة . 3 ( باب التمييز ) ) أنشد فيه وهو الشاهد التاسع بعد المائتين وستّوك قد كربت تكمل على أن العدد الذي في آخره النون يضاف إلى صاحبه أكثر من إضافته إلى المميز أي : قرب أن يكمل ستون سنة من عمرك . وهذا المصراع من قصيدة للكميت بن زيد مدح بها عبد الرحمن بن عنبسة بن سعيد بن العاص بن أمية . وأولها : * أأبكاك بالعرف المنزل * وما أنت والطلل المحول * * وما أنت ويك ورسم الديار * وستوك قد كربت تكمل * قال الأصبهاني في الأغاني : كان بين بني أسد وبين طيئ حرب فاصطلحوا وبقي لطيئ دم رجلين فاحتمل ذلك رجل من بني أسد فمات قبل أن يوّفيه . فاحتمله الكميت فأعانه فيه عبد الرحمن بن عنبسة فمدحه الكميت فأعانه فيه عبد الرحمن بن عنبسة فمدحه الكميت رأيت الغواني وحشاً نفورا وأعانه زياد بن المغفل الأسدي فمدحه بقصيدته التي أولها : هل للشباب الذي قد فات من طلب ثم جلس الكميت وقد خرج العطاء . فأقبل الرجل يعطي الكميت المائتين والثلثمائة وأكثر وأقلّ كانت دية الأعرابي ألف بعير ودية الحضري عشرة آلاف درهم وكانت قيمة الجمل عشرة دراهم فأدّى الكميت عشرين ألفاً عن قيمة ألفي بعير اه فقوله : أأبكاك يخاطب نفسه ويقرره مستفهماً . والعرف بضم العين والراء المهملتين : موضع . والمنزل : فاعل أبكاك قال الزمخشري في كتاب الأمكنة والمياه . عرفة الأملح وعرفة رقد وعرفة اعيار : مواضع تسمّى العرف . وأنشد بيت الكميت . وفي المحكم لابن سيده : العرف بضمتين موضع وقيل جبل . وأنشد البيت أيضاً . وكذا ضبطه أبو عبيد البكريّ في معجم ما استعجم وقال : هو ماء لبني أسد . وأنشد البيت وقال : ويخفّف بسكون الراء قال عباس بن مرداس : * خفافيّة بطن العقيق مصيفها * وتحتلّ في البادين وجرة والعرفا * ) فدلّ قول عباس أن العرف بوادي بني خفاف اه . وقوله : وما أنت الخ استفهام توبيخيّ ينكر بكاءه وهو شيخ على الأطلال . والطّلل : والمحول : اسم فاعل من أحول الشيء : إذا مرّ عليه حول وهي السنة . ويك : كلمة تفجّع وأصله ويلك . وستّوك مبتدأ وما بعده خبره والجملة حالية . وكرب بفتح الراء كروباً : دنا . وكرب من أخوات كاد تعمل عملها واسمها ضمير الستين . وجملة تكمل في موضع نصب خبرها . وترجمة الكميت بن زيد تقدمت في الشاهد السادس عشر . وأشد بعده وهو الشاهد العاشر بعد المائتين * فيا لك من ليل كأن نجومه * بكلّ مغار الفتل شدّت بيذبل * على أن قوله من ليل تمييز عن المفرد الذي هو الضمير المبهم في قوله يا لك . وفيه أن الضمير غي رمبهم لتقدم مرجعه في البيت قبله وهو قوله : ألا أيها الليل الطويل كما يأتي فالتمييز فيه عن النسبة لا عن المفرد ومن لبيان الجنس . وقال المرادي في شرح الألفية : من زائدة في الكلام الموجب ولهذا يعطف على موضع مجرورها بالنصب كقول الحطيئة : يا سنه من قوام ومنتقبا وصحح هذا أبو حيان في الارتشاف . ويا : حرف نداء واللام للتعجب تدخل على المنادى إذا تعجّب منه . ولأجل هذا أورد ابن هشام هذا البيت في المغني قال في شرح بانت سعاد : الأصل يا إياك أو يا أنت ثم لمّا دخلت عليه لام الجر للتعجب انقلب الضمير المنفصل المنصوب أو المرفوع ضميراً متصلاً مخفوضاً . وأورده المراديّ في شرح الألفية على أن اللام فيه للاستغاثة استغاث به منه لطوله كأنه قال : يا ليل ما أطولك قال ابن هشام : وإذا قيل يا لزيد بفتح اللام فهو مستغاث فإن كسرت فهو مستغاث لأجله والمستغاث محذوف فإن قيل يا لك احتمل الوجهين . والباء في قوله : بكل متعلّقة بشدّت . والمغار بضمّ الميم : اسم مفعول بمعنى المحكم من أغرت الحبل إغارة : إذا أحكمت فتله . ويذبل : اسم جبل لا ينصرف للعلمية ووزن الفعل وصرفه للضرورة . يقول : إن نجوم الليل لا تفارق محالّها فكأنها مربوطة بكلّ حبل محكم الفتل في هذا الحبل . وإنما استطال ) الليل لمقاساة الأحزان فيه . وهذا البيت من معلّقة امرئ القيس المشهورة . وفيها خمسة أبيات في وصف الليل وهي : * وليل كموج البحر أرخى سدوله * عليّ بأنواع الهموم ليبتلي * * فقلت له لمّا تمطى بصلبه * وأردف أعجازاً وناء بكلكل * * ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي * بصبح وما الإصباح منك بأمثل * * كأن الثريا علّقت في مصامها * بأمراس كتان إلى صمّ جندل * فقوله : وليل الواو واو ربّ . والسدول : الستور جمع سدل وسدل ثوبه : إذا أرخاه . يقول : ربّ ليل يحاكي أمواج البحر في توحشه وهوله وقد أرخى عليّ ستور ظلامه مع أنواع الحزن ليختبرني : أأصبر أم أجزع وهذا بعد ان تغزّل تمدّح بالصبر والجلد . وقوله : ف لت له لما تمطى الخ تمطى : امتد . وناء : نهض . والكلكل : الصدر . والأعجاز : الأواخر جمع عجز وهو من استعمال الجمع موضع الواحد . وقد استشهد ابن مالك بهذا البيت على أن الواو لا تدلّ على الترتيب لأن البعير ينهض بكلكله والأصل : فقلت له لمّا ناء بكلكله وتمطّى بصلبه وأردف أعجازه . وقوله : ألا أيها الليل الطويل الخ انجلي : أمر بمعنى انكشف والياء إشباع . والإصباح : الصباح . والأمثل : الأفضل . وأورد هذا البيت في تلخيص المفتاح على أن صيغة الأمر فيه للتمني ومعناه تمنى زوال ظلام الليل بضياء الصبح ثم قال : وليس الصباح بأفضل منك عندي لاستوائهما في مقاساة الهموم أو لأن نهاره يظلم في عينه لتوارد الهموم . فليس الغرض طلب الانجلاء من الليل لأنه لا يقدر عليه لكنه يتمناه تخلّصاً مما يعرض له فيه ولاستطالة تلك الليلة كأنه لا يرتقب انجلاءها ولا يتوقعه . فلهذا حمل على التمني دون التراخي . قال الإمام الباقلاني في إعجاز القرآن : ومما يعدونه من محاسن هذه القصيدة هذه الأبيات الثلاثة وكان يعضهم يعارضها بقول النابغة : * كليني لهمّ يا أميمة ناصب * وليل أقاسيه بطيء الكواكب * * وصدر أراح الليل عازب همه * تضاعف فيه الحزن من كلّ جانب * * تقاعس حتى قلت ليس بمنقض * وليس الذي يتلو النجوم بآيب * وقد جرى ذلك بين يدي بعض الخلفاء فقدّمت أبيات امرئ القيس واستحسن استعارتها وقد ) جعل لليل صدراً يثقل تنحّيه ويبطئ تقضّيه وجعل له أردافاً كثيرة . وجعل له صلباً يمتدّ ويتطاول . ورأوا هذا بخلاف ما يستعيره أبو تمام من الاستعارات الوحشية البعيدة المستنكرة . ورأوا أن الألفاظ جميلة . واعلم أن هذا صالح جميل وليس من الباب الذي يقال إنه متناه عجيب . وفيه إلمام بالتكلف ودخول في التعمّل انتهى . وقوله : كأن الثريا علقت الخ المصام بفتح الميم : موضع الوقوف . والأمراس : الحبال جمع مرس محركة . والجندل : الحجارة . يقول : كأن الثريا مشدودةً بحبال إلى حجارة فليست تمضي . قال العسكري في التصحيف : ومما خالف فيه ابن الأعرابي الأصمعي في المعنى لا في اللفظ قوله : فالهاء في مصامها عند الأصمعي ترجع إلى الثريا . ومعنى مصامها : موضعها ومقامها . وهو يصفالليل وأن نجومه لا تسير من طوله فكأن لها أواخي في الأرض تحبسها . هذا مذهب الأصمعي . وايت هذا البيت في نوادر ابن الأعرابي وفسره بتفسير عجيب فقال ورواه : كأن نجوماً علقت في مصامه ثم فسر وقال : شبه ما بين الحوافر وجثمانه بالأمراس وضم جندل يعني جثمانه . فأخذ هذا البيت وصيره في وصف الفرس وحمله على أنه بعد : * وقد أغتدي والطير في وكناتها * بمنجرد قيد الأوابد هيكل اه * وترجمة امرئ القيس قد تقدمت في الشاهد التاسع والأربعين .